الغناء والدبكات الشعبية في سراقب

 

الغناء في سراقب

الدبكات الشعبية

 

الغناء في سراقب

لا يمكن تحديد تاريخ دقيق للغناء في سراقب، لأن الأغنية وجدت أينما وجد الإنسان. ولكن إلقاء نظرة على الصيغة المقامية التي تحكم معظم أنواع الغناء في بلدة سراقب. وتركيب الجملة اللحنية تدل على أنها أقرب ما تكون إلى فن "القصيد" الذي هو غناء بدوي الأصل مغنى باللغة البدوية، نظم على تفعلية (فَعْلُنْ) من البحر المحدث.

هيَّا اعطيني الحك هيا اعطيني            وان ما اعطيتيني والله لا صيح

لاصيح صوتن يقعده النايميني            والخيل بالميدان تاخد مشاويح

هيا بنا يا حمـود ليَّا جنيني              شلون العمل بمعلقات المطاويح

سوف نتعرض أولاً لأنواع الغناء الحر، أي الغناء الخالي من الإيقاع والذي يعتمد إلى حد كبير على الارتجال وعلى إحساس المؤدي بشكل عام.وأنواعه ثلاثة:

1. العتابة:

وهي أقرب ما تكون في صيغتها المقامية إلى فن "القصيد" فهي لا تغنى من مقام "بياتي" المعروف والشائع حالياً. بل تختلف عنه من حيث ارتكازاتها التي هي أقرب إلى السيكا"، أما القفلة فهي قفلة بياتي زائدة ما يقارب "الكوما"([1]). وبيت "العتابا" كما يقال في العامية، هو عبارة عن بيتين من الشعر منظومة باللهجة المحلية ويعبر عن حالة وجدانية ما. فرح، حزن، عتاب... أما البحر الذي تنتمي إليه فهو غالباً البحر الوافر مع بعض الجوازات، مثال:

هَلي شالوا على القفره وعلى الهوم               رحلوا وخلولي بدلالي عللهم

ياما أقـواك يا قلبـي علـى الهـمّ               شبه كبد الذلول على الظما

كما يظهر فيها شيء من المحسنات البديعية كالجناس الناقص، بين آخر كلمة من صدر البيت الأول "على الهوم" وعلى آخر كلمة من عجزه وهي "عللهم"([2]) ولهذا النوع من المحسنات وقع موسيقي محبب.

2. النايل:

ويغنى بعد وصلة العتابا، حيث كان يطلب من الصيِّيحْ (هكذا كانوا يسمون المغني)، أبيات من العتابا ثم تُكَفَّن بأبيات من النايل، وهو من حيث الصيغة المقامية يقترب في ارتكازه من العتابا مع تحليات من مقام (الصبا) ذي الطابع الحزين. ومن هنا جاء تعبير (التكفين)، أي النهايةالحزينة.

والنايل شعر موزون باللهجة المحلية على موسيقا البحر البسيط مع بعض الجوازات التي تقتضيها الكلمة المكتوبة بغير الفصحى. مثال:

يا روح ونِّي بحزن راح ال تودينَه            يا عين هلّي دمع ما ظن تشوفينه

ويظهر في هذا البيت من النايل ما يسمى في علم البديع "التصريع" وهو سجع العروض مع الضرب([3]) بين (نَه) في كلمة تودينه و"نَه" في كلمة تشوفينه. ويقال: الشطران مصراعان.

3. السويحلي:

وهو قريب من العتابا أيضاً في صيغته المقامية ولكنه يختلف عنها في بناء الجملة اللحنية، حيث يميل إلى السرعة في الإلقاء. مثال:

شرق مع الغيم دمعي مطر نيسان

فوق القهر ضيم ومقابل العفنين

هذه الألوان الثلاثة من الغناء الحر، كانت تغنى في سراقب من قبل الرجال والنساء على حد سواء مع اختلاف بسيط هو أن الرجل كان يجهر بصوته مع الإطالة مظهراً براعته وقوة صوته. في حين تختصر المرأة وتخفض من صوتها بحيث كان يأخذ غناؤها الطابع الإلقائي وذلك بحكم ظروف المرأة في مجتمع صغير له خصوصياته.

بعد فترة من الاستقرار كان لابد من إنشاء علاقات اجتماعية وطقوس ثابتة ولا بد للغناء من مواكبة هذه العلاقات، مما استدعى وجود غناء جماعي ومن ثم ظهور عنصر الإيقاع بأشكاله البسيطة لضبط الغناء الجماعي بالتوقيع. والأشكال التي ظهرت في بلدة سراقب هي:

1. الهجينة.     2. المسايري.     3. اللقاحي (الشعشباوي).

1. الهجينة:

انتقل إلى سراقب من البادية وتسميته بالهجينة دليل على ذلك، كذلك المسايري والشعشباوي. ومن الهجينة قولهم:

شليتني يا الغالي شَلَّةِ         هلك بعيدين وآني الحافي

ان كاد ميّة هلو عكرةِ         وارحل على بيرنا الصافي

وتتنوع التفعيلات في مثل هذا النوع من الغناء، فهي أحياناً (مستفعلن) وأحياناً أخرى (فاعلن) ويقترب أحياناً من مجزوء البحر البسيط مع جوازات كثيرة. ومثال المسايري قولهم:

مَنتُم هلي مَنتُم هَلَيْ             يا مطردين الضيف منتم هَلَيْ

لَنْهج وولّي لَنْهج وولّي           واخد عديل الروح لَنْهج وولّي

ونلاحظ الجناس التام في البيتين بين "هلي" في صدر البيت الأول و"هلي" في عجزه. وكذلك بين و "ولي" و "ولي" في البيت الثاني.

أما بالنسبة للموسيقا في هذين البيتين فهي تقترب من موسيقى البحر السريع إذ تتكرر تفعيلة (مستفعلن) مرتين في كل شطر مع جواز (فاعلن).

أما مثال الشعشباوي فهو:

مسير جانا الحصاد مسير         لو مستحي ولو خايف

شويكي غبر نهود شويكي         هلبيض وهالنضايف

وفيه أيضاً جناس بين "مسير" و"مسير" وبين "شويكي" و"شويكي" ولا يمكننا ضبط موسيقا هذين البيتين على وزن أحد البحور الشعرية، أما التفعيلات فهي متنوعة بين (فَعْلُنْ) و(مُسْتَفْعِلُنْ).

وهذه الأشكال الثلاثة من الغناء الجماعي الموقع يظهر فيها الإيقاع ذي الصيغة الثنائية البطيئة. أما الصيغة المقامية فهي (بيات) مع التركيز على الثانية.

 

الغناء الموقّع

1. الموليَّا أو (الموليِّ)([4]):

عُرف غناء الموليه في المنطقة في مرحلة متقدمة على أنواع الغناء الثلاثة السابقة. لذلك كان عنصر الإيقاع فيها واضحاً. وقد وفدت من الشمال الشرقي (موليه فراتية)، ومن الغرب (موليه روجية) و(مولية سلمونية) من بلدة سلمية. وقد عرفت هذه الأنواع الثلاثة في بلدة  سراقب. ومن خلال تفاعل هذه الصيغ الثلاثة وجدت الصيغة المحلية والتي هي أكثر تعبيراً عن روح المنطقة وواقع الإنسان فيها. غنيت الموليه في جميع مناسبات الفرح وخاصة أثناء طقس "الجرشة" الذي يعتبر من أهم الطقوس الاجتماعية التي كانت سائدة قديماً.وكلمة "جرشة" مأخوذة من جرش البرغل أي طحنه. وتتم بواسطة آلة تدعى "الرحى" حيث كان يتم تحديد مكان الجرشة فهي اليوم عند فلان من أهل البلدة.يجتمع الشباب مع الصبايا من الأقرباء والجوار وتجلس حول الرحى فتاتان تقومان بتدويرها وصب البرغل فيها. ومن أجل تبديد التعب وتمضية الوقت الذي قد يطول حتى الساعات الأولى من الصباح كانت تغنى الموليه على إيقاع صوت الرحى من قبل الشباب والصبايا. وفي آخر الجرشة كان يطلب من أحد الفتيات صنع "كبة نية" كي يأكل الموجودون. وغالباً ما كان يتم انتقاء الفتاة الأجمل لصنع الكبة تيمناً بأكل وجبة طيبة "من تحت إيديها" كما يقال في التعبير الشعبي. ومما كان يغنى:

وسمعت صوت الرحى والحب دايرها          واربع جدايل شقر عالكتف دايرها

تمنيت حالـي بنت لاقعـد ادايرها             وأشوف دق الصدر من غير منية

يبدو لنا الجناس في البيت الأول بين "دايرها" و"دايرها". والموسيقا في الموليه في البحر البسيط.

أما الصيغة المقامية التي تغنى منها الموليه فهي ثلاث نوتات، البعد بين الأولى والثانية 3/4 والثانية 3/4 وكذلك بين الثانية والثالثة 3/4 والإيقاع هو 4/4 بطيء.

2. اللاله:

ضمن الغناء الموقع عرفت أعراس سراقب غناء ما يسمى "باللاله" وأكثر الظن أن هذا اللون الغنائي انتقل إلى هذه البلدة من البادية. صيغته المقامية "البيات" وإيقاعه "الولده".وهناك ال "لاله" الحموية وتغنى على نفس الإيقاع إنما المقام هو "الصبا" وتستخدم فيها نفس الكلمات. مثال:

يا أهل البويت الغربي واسمع منو عينينِ      والعنين عنين شوقي والنوم ما عاد يجيني

3. دابل:

كذلك عرفت أعراس سراقب أغنية "دابل". وأغلب الظن أن هذه الأغنية وافدة من الجزيرة السورية والغريب فيها أنها الوحيدة في المنطقة التي تغنى إلى إيقاع "الدارج" ومثالها:

دابل يا دابل يا دابل              يا أسمر يا دابل

من عقب شوقي يا يما           ما أهوى وأقابل

هذه الألوان الغنائية كانت تغنى من قبل أشخاص يتمتعون بصوت عذب وثقيل وغالباً ما يكون المغني عازفاً على آلة الرباب أو يرافقه شخص آخر بالعزف و يقال للمغني "حسه طيب" وهو تعبير شعبي يربط بين الحس المرهف والصوت العذب الجميل.

 

الدبكات الشعبية في سراقب

لا توجد دبكات شعبية متنوعة في سراقب، بتأثير من عامل البيئة الذي يحكم المجتمع الصحراوي وشبه الصحراوي. حيث أن الدبكة في مثل تلك البيئات لها إشكاليتها. حيث تتطلب إعداداً مسبقاً للأرض التي ستقام عليها، فحركات الأجل القوية والمتسارعة تثير غباراً كثيراً يتعذر القيام معه بمثل هذه الحركات. لذلك اقتصرت دبكات الرجال على نوعين:

1. وهو ما يعرف بالدبكة السلمونية وهي منسوبة إلى بلدة السلمية التي تحكمها نفس الظروف البيئية.

2. الدبكة الشرقية وهي قادمة من البادية وصيغة الإيقاع في الدبكتين هي صيغة رباعية.

أما الآلات الموسيقية المستخدمة في هذين النوعين فهي المجوز والطبل، أو القصبة بمفردها. ولكن الأكثر شيوعاً هو استخدام الزمر "الزرناية" مع الطبل و تنصب هذه الدبكات في الأفراح حيث يجتمع الرجال مشكلين قوساً من دائرة وتشتبك الأيادي بحيث يلتصق الكتف بالكتف وتؤدى حركات بسيطة بالأرجل بينما يتحرك الجذع حركات قوية. ويتبع في هذه الدبكات تسلسل ما بحسب المهارة فالأمهر من الرجال يقف على يمين القوس ويطلق عليهم اسم "دبيكة الأول" وعلى رأسهم يكون عادة رجل ماهر وبارع وهو ما يسمى "الأول"، إذ نراه ينفلت من القوس منفرداً ويؤدي حركات تعتمد على المهارة واللياقة البدينة الهائلة ومعبراً بذلك عن قوته ومهارته. وغالباً ما يتبارى مع ضارب الطبل في استعراضه ذلك واستمراريته. وتتخلل هذه الدبكات استراحات تتم وفق شكلين:

1. هو فلت الأيدي وإطلاقها للتصفيق ولكن بإيقاع مغاير للإيقاع السابق وهو إيقاع ثنائي بسيط يؤدى بالتصفيق. أما حركات الأرجل فتكون قريبة من المشي العادي دون تحريك الجذع. وهي فرصة كي يرتاح "دبيك الأول" حيث يؤدي في أثناء ذلك حركات راقصة بسيطة ماراً بالدبيكة وكأنه يحييهم معلناً عن استراحته وعودته إلى الدبكة ليحل محله رجل آخر ويأخذ دور الأول.

2. الشكل الثاني من الاستراحة هو أن يقف عازف المجوز أو الزرناية أمام شخص معروف بصوته العذب ليؤدي بعض المقطوعات الغنائية وهذا ما يسمى "رديد الدبكة" ولتديعم ما ذكرناه بخصوص استخدام الجذع في هذه الدبكات بحركات قوية وشديدة نسوق مثالاً غنائياً يقول:

شوقي كاضب عالأول          وأنا على يمينو

كسّر ضلوعي العشرة          دخيل بيو ودينو

وتتكرر تفعلية "فَعْلُنْ" المجوزة من "فَعولُن" لتغدو الموسيقا على بحر المتقارب. وتجدر الإشارة هنا على أنه في هذه الدبكات تتم مشاركة النساء وخصوصا المقربات من أهل الفرح.

دبكات النساء:

تكون دبكات النساء بشكل دائرة مغلقة إذ لا يمكن للمرأة أن تستعرض براعتها كما يتم في دبكات الرجال مراعاة لعوامل اجتماعية تحكم المجتمع الصغير المغلق.

ومن قبيل الدعاية سُئل أحد الفنانين الشعبيين في سراقب:

لماذا تكون دبكات النساء في سراقب على شكل دائرة مغلقة؟

فكر قليلاً وأجاب بعفوية لأنه لا يوجد رأس أي "أول". وهذا يدل بوضوح على أن هناك ظروف اجتماعية مغلقة على المرأة أغلقت معها دبكات النساء ولم تسمح بإيجاد "أول" من العنصر النسائي. وقد يسمح بممارسة نوع من الغزل الرقيق المقتصر على من في الدائرة، بحيث يستطيع أي رجل أو امرأة أن يرى وجوه جميع من في الدائرة. فالمرأة ترى الرجل والرجل يرى المرأة وهذا قرار خفي بحاجة كل من المرأة والرجل على رؤية الآخر. على عكس دبكات الرجال التي لا يتسنى للدبيكة فيها رؤية جميع أفراد الدبكة بوضوح.

أما بالنسبة للإيقاع الذي يحكم دبكات النساء فهو إيقاع ثنائي بسيط تعتمد هذه الدبكة على حركات بسيطة في الأرجل وحركات أبسط في الجذع ويرافق هذه الدبكات عازف القصبة مؤدياً جملاً موسيقية بسيطة.

أما في الغالب فيرافق هذه الدبكات نوع من الأهازيج "العديوية" البسيطة مغناة باللهجة المحلية القريبة من البدوية، وغالباً ما تكون من مقام البيات. وتغنى اللازمة أولاً من قبل شخص يقال له "عدِّيد الدبكة" ولا يشترط أن يكون صاحب صوت عذب بل يكفي أن يكون حافظاً لتلك الأهازيج وقد تقوم أحد النسوة بأداء هذا الدور فيكون اسمها "قوّالة" أو "ملقية". إذ لايتطلب الأمر صوتاً غنائياً فالأداء هنا قريب من الإلقاء وبعد الانتهاء من غناء اللازمة، يرددها الدبيكة ليغني "العديد" مذهباً بسيطاً لا يختلف لحنه عن لحن اللازمة إلا قليلاً... وهكذا.

ولما كان يسمح للنساء المقربات بالمشاركة في دبكات الرجال، كان يسمح كذلك لرجال المقربين بالمشاركة في دبكات النساء ومن الطريق أنه كان يتم في هذه الدبكات نوع من الغزل الخفيف بين الفتاة والشاب بتبادل النظرات أحياناً، أو في إيراد اسم الفتاة أو الشاب في سياق كلمات الأهزوجة، وغالباً ما يبحث الشاب عن فرصة ليمسك بيد من يحب من الفتيات ويدبك إلى جانبها. وتعبر هذه الفتاة عن قبولها لمثل هذا الغزل بالاستمرار في الدبكة أو تنسحب من مكانها إلى مكان آخر تعبيراً عن عدم قبولها.


 

([1]) الكوما: هي تقسيم البعد الطنيني إلى تسعة مسافات صوتية.

([2]) صدر البيت هو الشطر الأول منه، وعجزه هو الشطر الثاني.

([3]) العروض: آخر كلمة من صدر البيت، والضرب آخر كلمة من عجز البيت.

([4]) تقرأ مليه بإمالة الياء في آخرها وهي لهجة محلية فصيحة.